بعد مرور أكثر من 15 عامًا على ثورة 25 يناير، وما أفضت إليه من تطورات كان أبرزها الانقلاب على التجربة الديمقراطية وإهدار إرادة المصريين الذين عبروا عنها عبر صناديق الاقتراع بعد عام واحد، يسلط الصحفي مصطفى العصار الباحث المدافع عن حقوق الإنسان والمعتقل المصري السابق من منفاه في كندا الضوء على الثورة التي تم وأداها في مهدها.
وكتب العصار في صحيفة "لوريان توداي" مستذكرًا أحداث ثورة يناير: وقفنا نحن الخمسة على حافة ميدان التحرير في وسط القاهرة. كانت جميع الشوارع المتفرعة من الميدان مكتظة بالمتظاهرين. تمكنتُ بطريقة ما من رؤية بانورامية: امتد المتظاهرون إلى ما لا نهاية. اصطفت قوات الشرطة المصرية، المدججة بالسلاح، وضباطها الملثمون كأسنان المشط، سادّةً كل مداخل الميدان بأجسادهم، بينما وقفت خلفهم المركبات المدرعة.
والتفتُّ إلى صديقي الذي بجانبي وسألته: "هل نحثّ الناس على الاحتجاج ومحاولة اقتحام الميدان، أم سيخذلوننا؟، إذا فشلت الحركة، فسنكون نحن من يُعاد إلى السجن. نظرنا إلى الحشد الهائل وبدأنا نهتف، محاولين اختراق الطوق الأمني. اعتُقل أحدنا، الذي اعتاد الاعتقال. فرّ اثنان آخران بسرعة واختفيا عن الأنظار. ركضتُ أنا وصديق آخر من المخبرين الذين كانوا يطاردوننا، محاولين الفرار بينما كانوا يلاحقوننا.
كان كل ذلك مجرد حلم، في الذكرى الخامسة عشرة للثورة. من بين الأشخاص الخمسة الذين ظهروا في الحلم، يعيش ثلاثة منهم الآن في المنفى، بينما بقي اثنان في مصر. اتصلت بأصدقائي وأخبرتهم بما رأيت، بمزيج من السخرية والحزن.
بين الابتسامة والاشمئزاز
في عام 2020، أنتجت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات العامة المصرية، الجزء الأول من المسلسل التلفزيوني "الاختيار"، والذي يروي قصة الضابط في القوات المسلحة المصرية أحمد المنسي، الذي قُتل في شمال سيناء عام 2017، ويركز على إبراز التباين بين شخصيته وشخصية الضابط السابق هشام عشماوي، الذي انشق لاحقًا، وانضم إلى الجماعات الإرهابية.
عندما عُرض المسلسل لأول مرة، كنت لا أزال رهن الاعتقال السياسي، أواجه اتهامات ملفقة تتعلق بالإرهاب بعد استهدافي من قبل أجهزة الأمن المصرية بسبب عملي الصحفي، مما حال دون متابعتي للحلقات. لكن في الذكرى الخامسة عشرة للثورة، قررت مشاهدة الأجزاء الثلاثة جميعها من منفاي في كندا، في محاولة لفهم الخطاب الأمني الذي عُرضت ووُثّقت وفُسّرت من خلاله بعض الأحداث التي شهدناها خلال العقد ونصف العقد الماضيين.
كان الموسم الأول من المسلسل مقبولاً نسبيًا، على الرغم من عيوبه الدرامية، وحواراته المبالغ فيها، وتصويره للشخصيات على أساس ثنائيات الخير والشر المبسطة، فضلاً عن حالات تحريف - أو بالأحرى إغفال انتقائي - لبعض الأحداث.
ركز المسلسل بشكل أساسي على الحياة الشخصية والمهنية لضابط في الجيش يخدم في شمال سيناء خلال فترة اتسمت بتصاعد العنف والهجمات الإرهابية، دون تبني إطار أمني أبوي للخلافات السياسية، وإخفاقات الحكم، وأزمات الأمن الداخلي. هذا، إلى حد ما، جعل العمل سهل الفهم ومفتوحًا للنقاش.
أما بالنسبة للجزء الثاني، فمنذ الدقائق الأولى، غمرت الأكاذيب والتلاعب والتشويه الشاشة. بدا الحوار الركيك الذي أداه الممثلون وكأنهم يقرؤون من نشرة أمنية كتبها ضابط مخابرات، ليكتمل المشهد.
استمر الجزء الثالث على نفس المنوال، وإن كان تنفيذه أسوأ، حيث صور الأحداث بطريقة غير مقنعة إلى حد كبير.
ومن المفارقات، أن ضباط الأمن الوطني صُوِّروا كملائكة يعملون بتفانٍ في خدمة الوطن. وقُدِّموا كرجال صالحين لم ينتقموا أبدًا من أقارب أو عائلات المعتقلين. ورُسمت غرف الاستجواب وكأنها أماكن دافئة تقريبًا، حيث يحافظ المشتبه بهم على كرامتهم أمام ضباطٍ يُشبهون القديسين، يستجوبون السجناء بصبرٍ في محاولةٍ لانتزاع الاعترافات. كان الأمر عبثيًا ومثيرًا للاشمئزاز. الجميع يعلم كيف يعمل جهاز الأمن في الواقع، وكيف يُختطف المصريون ويُختفون في أقبية أمن الدولة، وكيف يواجهون التعذيب الوحشي.
شبح الثورة
لدي تفسير بسيط وسهل لهذا التراجع الكبير. من المرجح أن الموسم الأول كان تحت إشراف المخابرات العسكرية وإدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، والتي ركزت على مواضيع الشرف والتضحية العسكرية من خلال تسليط الضوء على جوانب من حياة الضابط الشهيد أحمد المنسي.
مع ذلك، يبدو أن الموسم الثاني قد أُشرف عليه جهاز الأمن الوطني، الذي يتسم ضباطه بالوحشية وعدم الكفاءة بشكل ملحوظ، فضلاً عن جهلهم التام بأبسط أسس الأدب والفن والمسرح. وكما كتب الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ذات مرة:
الدنيا حويطه وانت بتاع
ويهين المعنى الضابط
ويدوس بالجزمه على الحلم
ربنا رازجه بجهل
غانيه عن كل العلم
ماذا تعنى بالكون
يا يساعك يا يسعنى ؟؟
رد يا جربان يا ابن "الوسـ*ة" ياكلب
اظنك حتقولى تانى الشعب
وكانت النتيجة موسمًا يتمحور حول حياة ضباط الأمن الوطني، مُغلّفًا بروايات غير منطقية لدرجة أنها لم تُقنع أحدًا.
ومما زاد الطين بلة، يبدو أن المؤسسة الرئاسية قد تدخلت في الإشراف على الموسم الأخير، الذي تحول إلى تصوير جوانب من حياة (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي، بينما لا يزال في السلطة- وهو سياق لا يُسمح فيه بالخطأ ببساطة.
إذا صح هذا التفسير، يصبح من الأسهل فهم المنظور السياسي الذي يشكل كل موسم.
مرّت خمسة عشر عامًا على الثورة، لكن شبحها لا يزال يخيّم على الأفق، وتستمرّ الجهود لتشويه إرثها. يحكم النظام الحالي المدعوم من الجيش مصر منذ ثلاثة عشر عامًا، ومع ذلك لا يزال يُحمّل الثورة أو جماعة الإخوان المسلمين مسؤولية كلّ إخفاق، علماً بأنّ أعضاء الجماعة يملؤون السجون ومراكز الاحتجاز، وأنّهم حكموا البلاد لمدة عام واحد فقط قبل انقلاب الجيش في يوليو 2013.
في منشور ساخر على "فيسبوك"، كتب أحد المستخدمين: "اللهم خلصنا من جماعة الإخوان المسلمين الذين يحكموننا في المسلسلات التلفزيونية منذ 13 عامًا"، معلقًا على الحلقات الأولى من مسلسل "رأس الأفعى"، وهو مسلسل درامي آخر ذو طابع أمني عرض في رمضان الماضي، ويروج لرواية النظام، ويعزز تصوره الأمني من خلال شبح جماعة "الإخوان المسلمين" المألوف.
كان الانتقام من الثورة خلال العقد الماضي وحشيًا. وفي بعض الأحيان، يبدو الأمر كما لو أن تدهور البلاد ودمارها كانا متعمدين، وأن معاناة الشعب وفقره وخضوعه كان جزءًا من استراتيجية مُدبّرة، وليس مجرد نتيجة لفشل سياسي أو دكتاتورية عسكرية قمعية. كلما ازداد الألم والمعاناة التي تكبّدها المصريون، كلما علا صوت أبواق النظام مرددًا نفس العبارة: الثورة هي السبب. ويزعمون أنه لولاها لما وُجدت هذه المعاناة.
ما يجب تذكره دائمًا، والتأكيد عليه باستمرار، هو أن الثورة ليست مسؤولة عن مآل الأمور، بل الثورة المضادة هي المسؤولة. في جوهرها، سعت الثورة إلى تحقيق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وطمحت إلى دولة يحكمها العدل وسيادة القانون، دولة تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات. ولم تسعَ إلى تقسيم الناس إلى مراتب اجتماعية هرمية، تتوجها في المقام الأول الطبقة المتميزة المرتبطة بالدولة.
حصن يحمي الحقيقة
لم يقتصر النظام الحالي على القمع الأمني، والسيطرة على الإعلام، وتمكين النخب العسكرية والتجارية، والفشل الاقتصادي، وانهيار العملة، والأزمات الداخلية التي يدفع ثمنها الشعب، بل سعى أيضًا إلى فرض روايته الخاصة، مصورًا نفسه كمنقذ أنقذ البلاد من حكم الإسلاميين الرجعيين ومن منظمة إرهابية.
ومع ذلك، لا يزال يُلوّح بشبح الإرهاب كلما واجه فشلاً أو خشي اضطرابات داخلية محتملة، وتُعاد صياغة الرسالة مرارًا وتكرارًا: الثورة كانت خطأً، وما حدث في عام 2011 يجب ألا يتكرر أبدًا.
مع تقلص المساحات العامة وسيطرة الأجهزة الأمنية الكاملة على الإنتاج الثقافي والفني، باتت الرواية الأمنية الرسمية هي السائدة. وبمرور الوقت، قد تترسخ هذه الرواية في أذهان من لم يعاصروا تلك الفترة، أو من لا يزالون بعيدين عن جغرافيتها وسياقها.
ولهذا السبب، فإن كل عمل كتابي، وكل جهد في التوثيق، مهما كان فرديًا أو متواضعًا أو محدودًا في مواجهة تيار جارف ونظام قوي، يستحق التقدير والتشجيع.
قد تصبح هذه الكلمات يومًا ما بمثابة درع يحمي الحقيقة.
لم تنتهِ أدوارنا بهزيمة الثورة، بل تحوّلت إلى أشكالٍ مختلفة من المشاركة. إذا سُلبت منا الثورة مرةً، فلا يجب أن تُسلب منا ثانيةً. وإذا هُزمنا جغرافيًا، فلا يجب أن نُهزم تاريخيًا.
https://today.lorientlejour.com/article/1503055/egypts-revolution-15-years-later-erasing-truth-inventing-false-narratives-.html

